محمد علي سلامة
128
منهج الفرقان في علوم القرآن
أن اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى ، إما أن لا يكون محتملا لغيره أو يكون محتملا لغيره فالأول النص والثاني إما أن يكون احتماله لأحد المعاني راجحا ولغيره مرجوحا وإما أن يكون احتماله لهما بالسوية . واللفظ بالنسبة للمعنى الراجح يسمى ظاهرا ، وبالنسبة للمعنى المرجوح يسمى مؤولا ، وبالنسبة للمعنيين المتساويين أو المعاني المتساوية يسمى مشتركا ، وبالنسبة لأحدها على التعيين يسمى مجملا ، وقد يسمى اللفظ مشكلا إذا كان معناه الراجح باطلا ومعناه المرجوح حقا ، إذا عرفت هذا : فالمحكم ما كانت دلالته راجحة ، وهو النص والظاهر ، لاشتراكهما في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع . والمتشابه ما كانت دلالته غير راجحة ، وهو المجمل والمؤول والمشكل . لاشتراكها في أن دلالة كل غير راجحة . وأما المشترك فإن أريد منه كل معانيه فهو من قبيل الظاهر وإن أريد بعضها على التعيين فهو مجمل . ثم إن صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا وإما أن يكون عقليا والدليل اللفظي لا يكون قطعيا لأنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف ، وموقوف على عدم الاشتراك ، وعدم المجاز ، وعدم الإضمار ، وعدم التخصيص ، وعدم المعارض العقلي والنقلي وكل ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون مظنون . وعلى ذلك فلا يمكن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معنى مرجوح بدليل لفظي في المسائل الأصولية الاعتقادية ، ولا يجوز صرفه إلا بواسطة قيام الدليل القطعي العقلي ، على أن المعنى الراجح محال عقلا ، وإذا قامت الدلائل العقلية القطعية على أن المعنى الراجح محال عقلا ، وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى ، فعند ذلك لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح ما هو ؟ لأن طريقه إلى تعيينه إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز ، وبترجيح تأويل على تأويل . وذلك الترجيح لا يكون إلا بالدلائل اللفظية وهي لا تفيد إلا الظن ، والتعويل عليها في المسائل القطعية لا يفيد ، لذا كان مذهب السلف عدم الخوض في تعيين التأويل في المتشابه بعد اعتقاد أن ظاهر اللفظ محال لقيام الأدلة العقلية القطعية على ذلك ، وسيأتي لذلك مزيد بيان .